صديق الحسيني القنوجي البخاري
124
فتح البيان في مقاصد القرآن
عبادته ، كذا قيل وليس بشيء لأن العرب تطلق هذا الاسم على ولد البقر ، وقد كان جعله لهم السامري على صورة العجل . وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ أي وأنتم ضارون لأنفسكم بالمعصية حيث وضعتم العبادة في غير موضعها وقيل إنما سماهم ظالمين لأنهم أشركوا باللّه وخالفوا موعد نبيهم قيل والذين عبدوه منهم ثمانية آلاف وقيل كلهم إلا هارون مع اثني عشر ألفا وهذا أولى . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 52 إلى 54 ] ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 52 ) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 53 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 ) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ أي محونا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم ، والعفو يجوز أن يكون بعد العقوبة والغفران لا يكون معها ، وهذا هو الفرق بينهما وهو من الأضداد يقال عفت الريح الأثر أي أذهبه وعفا الشيء أي كثر ، ومنه ( حتى عفوا ) وقال أبو السعود العفو محو الجريمة من عفاه درسه وقد يجيء لازما قال : عرفت المنزل الخالي * عفاه بعد أحوال عفاه كل هتان * كثير الوبل هطال مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد عبادتكم العجل . لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ما أنعم اللّه به عليكم من العفو عن ذنبكم العظيم الذي وقعتم فيه وتستمرون بعد ذلك على الطاعة ، وأصل الشكر في اللغة الظهور ، قال الجوهري الشكر الثناء على المحسن بما أولاك من المعروف ، يقال شكرته وشكرت له ، وباللام أفصح والشكران خلاف الكفران . وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ الكتاب التوراة بالإجماع من المفسرين واختلفوا في الفرقان فقال الفراء وقطرب المعنى آتينا موسى التوراة ومحمد الفرقان ، وقد قيل إن هذا غلط أوقعهما فيه أن الفرقان مختص بالقرآن وليس كذلك فقد قال تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ [ الأنبياء : 48 ] قال الزجاج إن الفرقان هو الكتاب أعيد ذكره تأكيدا وقيل إن الواو صلة وهي قد تزاد في النعوت ، وقيل إن المعنى ذلك المنزل جامع بين كونه كتابا وفارقا بين الحق والباطل وهو كقوله : آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وقيل الفرقان الفرق بينهم وبين قوم فرعون أنجى اللّه هؤلاء وأغرق هؤلاء ، وقال ابن زيد الفرقان الفراق البحر والشرع الفارق بين الحلال والحرام ، وقيل الفرقان الفرج من الكرب أو النصر وقيل إنه الحجة والبيان بالآيات التي أعطاه اللّه من العصا واليد وغيرهما وهذا أولى وأرجح ،